ابو القاسم عبد الكريم القشيري

191

شرح الأسماء الحسنى

ردوه ، ثم يسأله ويقول : لم التفتّ ؟ فيقول : يا رب ، لما بلغت ثلث الطريق تذكرت قولك : وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ « 1 » فقلت : لعلك أن تغفر لي ، فلما بلغت نصف الطريق تذكرت قولك : وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ « 2 » قلت : لعلك تغفر لي ، فلما بلغت ثلثي الطريق تذكرت قولك : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ « 3 » فازددت طمعا ، فيقول اللّه تعالى : اذهب فقد غفرت لك . قال اللّه تعالى : وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً « 4 » كأنه قال : من أرخى عمره في الزلات ، وأفنى حياته في المخالفات ، وأبلى شبابه في البطالات ، ثم ندم قبل الممات وجد من اللّه العفو عن السيئات ، لأن قوله : ثُمَّ يقتضي التراخي ، كأنه قال : من لم يتب في الحال ولكن في آخر العمر . وقيل : إن رجلا كان يقول : إلهي أبطأت ، إلهي أبطأت ، فهتف به هاتف لم تبطئ ، إنما أبطأ من مات ولم يتب . وقوله تعالى : يَعْمَلْ سُوءاً إخبار عن الفعل ، وقوله : ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ إخبار عن القول ، كأنه قال : الذين زلاتهم أفعال ، توبتهم أقوال . ولقد سهل عليك الأمر من رضى عنك بمقاله وقد عملت ما عملت ، ثم انظر إيش قال في قوله : يَجِدِ اللَّهَ طلبوا المغفرة فوجدوا اللّه ، أي نكتة لمن يعقلها ، ليس العجب من السيارة حيث طلبوا الماء ليشربوا فوجدوا يوسف ، إنما العجب من عاص طلب المغفرة فوجد اللّه تعالى .

--> ( 1 ) الكهف : 58 . ( 2 ) آل عمران : 145 . ( 3 ) الزمر : 53 . ( 4 ) النساء : 110 .